وماذا تعني سنة جديدة وأنت تفقد نفسك كل يوم!

الفصل الأول: محاولة أُخرى للنجاة..

لم تبدأ هذه السنة الجديدة وأنا مليئة بأي بهجة أو حماس، بل كنت في دوامة حتى قبل ميلادها بأشهر..
كيف سأستطيع أن أخطط لها ولحياتي بشكل عام وأن أعيشها دون أن أضغط نفسي كثيرًا أو أُحمّلها فوق طاقتها؟!
وهل هذا ممكن أصلًا؟!

في السابق كنت أمضي أسبوعًا أو أكثر في ديسمبر وأحيانًا في يناير من السنة الجديدة للتخطيط وكتابة الأهداف وأتعهد بها أمام نفسي.. للأسف لم تنجح هذه الطريقة معي أبدًا، بل زادت حِملي أحمالًا لم أشعر بثقلها إلا في وقت لاحق!

ثم قررت أن تمضي السنوات دون طقوس التخطيط ووضع الأهداف (هنا كتبت عن الموضوع: عام بلا تخطيط..).. أتت هذه الفكرة من مبدأ أن لدي الكثير من الأمور في القائمة أصلًا، فلماذا أضيف أعباء إضافية تنهك وتعكر حتى لحظاتي المتعكرة وأيامي الثقيلة؟! (يعني ببساطة.. قلت خلينا نمشي وننجز الموجود وبعدين أخطط وأضيف أهداف).. لكن للأسف لم تنجح هذه الطريقة أيضًا؛ فقد مرت السنة الأولى براحة محسوسة لكنها لا تخلو من الضيقة والإحساس بالفشل أو النقص لأني لم أفعل ما تعوّدت عليه في السنوات السابقة.. فبدأت أضغط نفسي لإنجاز أكبر عدد ممكن من المهام (وفي الحقيقة لم يكن إنجازًا بما تعنيه الكلمة من معنى بقدر ما هو إقحام نفسي في أي شي أمامي.. صحيح أن هناك مهام تُنجز لكني في المقابل أنهار وأذبل)..

لذلك بدأت في التفكير في طريقة تناسبني أنا ومن يشبهني.. طريقة جديدة لا أعلم إن كانت ستنجح أم لا.. لكن سأشاركها علنًا لعل هناك من يستفيد منها..

الفصل الثاني: أسئلة بدل أهداف!

كنت أبحث عن طريقة بسيطة.. طريقة إنسانية وواقعية تتناسب مع الضغط الذي أعيشه في عالمي الحقيقي، لا مع الحياة المثالية التي يرسمها عقلي قي دفاتر مخصصة (لازم دفاتر مخصصة ولا ترى الأهداف ما راح تتحقق!)

حينها تدفقت هذه الفكرة والأسئلة في عقلي..
ندى.. ماذا لو لم تخططي؟ وماذا لو لم تضعي أهدافًا؟! ماذا لو استبدلتِ هذا كله بـ:
أسئلة لا أهداف!
حدود لا أحمال!
تعمْق لا تفرْع!
احتواء لا هروب!
وعي لا توقعات!

مجرد جلسة صادقة مع نفسي.. بعيدة عن أي التزامات، أو وعود كبيرة؛ يعني هي فقط أسئلة أعود لها كل ما شعرت أن العالم في داخلي أصبح أكثر ضجيجًا من العالم الخارجي ومما أحتمل..

الفصل الثالث: قائمة الأسئلة

الأسئلة في هذه القائمة ليست عبثية ولا عشوائية.. كل سؤال له هدف وقيمة سيضيفها لي بلا شك وإن كانت على المدى البعيد.. (ولأني ندى 😊 راح أشرح كل سؤال زي ما تشرح الأستاذة)

  • السؤال الأول: ما هو الشي الذي تريد حمايته أو المحافظة عليه؟
    بعبارة أخرى: وش الشي اللي لو ضاع، أنت ممكن تضيع معه؟!

    لماذا هذا السؤال؟
    لأنه يساعدك على تحديد الجوهر الذي يهمك فعلًا..
    الشيء الذي يعطي معنى لحياتك، ولا ترغب أن تخسره مهما تغيّرت الظروف أو الأولويات..
    هذا السؤال لا يتعلّق بما تفعله، بل بِمن تكون أنت.. وبما تحتاج أن يبقى ثابتًا في داخلك..

  • السؤال الثاني: ما هي العلامات التي تشير إلى أنك بدأت تضغط على نفسك أكثر مما تحتمل؟
    بعبارة أخرى: متى تعرف إنك قاعد تضغط نفسك زيادة؟!

    لماذا هذا السؤال؟
    لأن الانهيار النفسي نادرًا ما يحدث فجأة، وغالبًا ما تسبقه إشارات صغيرة نتجاهلها أو نؤجل الالتفات لها في حينها..
    صحيح أن معرفتك بعلاماتك الخاصة لن يمنع التعب، لكنه سيمنحك إنذارًا مبكرًا يساعدك على تفادي الانفجار أو الضغط على نفسك أكثر مما تحتمل (على فكرة تعتبر هذه المعرفة مهارة بقاء وبأقل الأضرار)..

  • السؤال الثالث: ما هي أكثر الأمور التي تستنزف طاقتك ولم تعد تستحق هذا الاستنزاف؟
    بعبارة أخرى: وش الشي اللي جالس يآخذ منك أكثر مما يعطيك؟!

    لماذا هذا السؤال؟
    لأن كثيرًا من الأمور تستهلك وقتنا وطاقتنا دون أن تضيف لنا قيمة حقيقية، والانتباه لما يستنزِفُنا بلا مقابل يساعدنا في إدارة أنفسنا بشكل أفضل ويُشعرنا بالخفة والراحة (وهذا أكيد أهم من أي إنجاز نحققه)..

  • السؤال الرابع: ما هي الحدود الشخصية التي لا ينبغي عليك تجاوزها؟
    بعبارة أخرى: وش الأشياء اللي لو تجاوزتها تكون ضريت نفسك؟!

    لماذا هذا السؤال؟
    لأن معرفة ما نريد حمايته (إجابة السؤال الأول) لا تكفي ما لم نعرف الحدود التي يجب أن نتوقف عندها.. هذا السؤال يرسم حدودك الشخصية بوضوح، ويحميك حتى من حماسك (اللي يورطك أحيانًا 😊)..

  • السؤال الخامس: كيف تعيد اتصالك بنفسك بأبسط طريقة؟
    بعبارة أخرى: وش الشي اللي إذا سويته تحس نفسك انتعشت من داخل؟!

    لماذا هذا السؤال؟
    لأننا لا نحتاج دائمًا إلى حلول، ولا إلى خطط جديدة أو حتى بديلة..
    أحيانًا كل ما نحتاجه هو شيء بسيط يعيدنا إلى أنفسنا، ويمنحنا لحظة اتصال وسط الزحام..

الفصل الرابع: ماذا بعد الإجابة على هذه الأسئلة؟

بعد إجابتي على هذه الأسئلة لم أبدأ بشيءٍ جديد.. بل توقفت قليلًا عن أمور كنتُ أفعلها بشكل تلقائي!
أبسطها: محاولاتي في التوقف عن تحميل نفسي أكثر مما تحتمل في بعض المواقف (خاصة عندما تكون الفكرة الأساسية فيه: هذا المتوقع!)..
وفي نظري؟!
هذا التوقف ليس تراجعًا، بل مساحة أتنفس فيها وأرى فيها نفسي بوضوح..

قد قلتُها لنفسي سابقًا.. ندى لا تنتظري معجزة!
الإجابة على هذه الأسئلة لن تصنع تحولًا مفاجئًا.. ولا وضوحًا كاملًا.. ولا حتى شعورًا بأن الحياة أصبحت أسهل!
لكنها ستمنحني وعيًا أهدأ، والوعي الهادئ لا يصرخ.. بل يحمي..

شخصيًا؟
لن أتعامل مع هذه الأسئلة كخطة، ولا كقائمة مهام يجب إنجازها.. بل كمرجع أعود إليه كل ما احتجت إليه، خاصة:

  • عندما أواجه التزامًا جديدًا لأُبرز حدودي
  • عندما أشعر بتعب متواصل، لأتفقد أي إشارات لإنذار المبكر
  • عندما أضيع وأتوه، لأبحث عن الشي الذي قررت حمايته
  • ولـ أتأكد بأني لا أتحرك عكس نفسي.. أو أني أتحرك لمجرد الوصول فقط..

وهذا كبداية لي يكفي وزيادة..

حقوق الصورة البارزة: Photo by Tara Winstead

3 آراء حول “وماذا تعني سنة جديدة وأنت تفقد نفسك كل يوم!

  1. أتعلمين يا ندى؟ قرأت تدوينتك لحظة وصلني إشعار نشرها. وأنا جدّ ممتن بأن حظيت بشرف الاشتراك في مدونتك. 🤩
    تحملُ كلماتكِ بلسمًا لجروح المعتادين على جلد أنفسهم. 🥺
    استمري .. وفقكِ الله وحماكِ.

    ربما كان هذا تعليقي الأول لديكِ؛ ستعلمين أنني لا أُجامل. 😎

    Liked by 1 person

      1. أصبحتُ واحدة منهم لأكتب لهم..

        ربما ترينها جملة بسيطة، لكنها أعمق مما تتخيلين؛ عادةً ما يعجز شخص قابع تحت سياط جلدْه ذاته عن توسيع رؤيته. أما أنتِ، فلم تكتفي برؤية العالم بنظرة واقعية، بل نقلتِ رؤيتكِ تلك إلينا.. أو -بعبارة أدقّ- للفئة التي أردتِ أن تكوني لها نبراسًا.

        Liked by 1 person

أضف تعليقًا