في فترة سابقة من حياتي كنت أظن أن الحياة تدار بمنطق ثابت: إمّا القمة وإلّا فلا، ولم أكن ألاحظ أبدًا بأني أحرم نفسي من ملذات الوسط وملذات الرحلة نفسها أيضًا؛ كنت أقيس كل شيء بالنتيجة وأتعامل مع أي تراجع ولو كان بسيطًا كما لو أنه سقوطٌ كامل!
لاحقًا وأثناء دراستي بالتحديد أدركت أن هذا لم يكن مجرد طموح “مرتفع” كما اعتقدت!
بل نمط من أنماط أخطاء التفكير أو التشوهات المعرفية، يُعرف باسم التفكير الأسود والأبيض..
ما هو التفكير الأسود والأبيض؟
هو أحد أنواع التشوهات المعرفية الذي يقوم على رؤية الأمور في طرفين متقابلين لا ثالث لهما؛ فالأمور فيه إمّا: سوداء أو بيضاء، مثالية أو سيئة، نجاح كامل أو فشل كامل. وغالبًا ما يظهر هذا النمط في طريقة حديثنا مع أنفسنا أو تقييمنا للأمور من خلال استخدام كلمات مثل: دائمًا أو أبدًا..
ويُعرف هذا التفكير بأسماء أخرى، مثل: تفكير الكل أو لا شيء (All-or-Nothing Thinking)، أو التفكير الثنائي (Dichotomous Thinking)، أو التفكير المتطرف (Polarized Thinking). كما يرتبط أحيانًا بالكمالية الصارمة التي تقيس كل أداء بمعايير مثالية لا تحتمل أي خطأ؛ الأمر الذي قد يزيد شعورنا بالإحباط والضيق بسبب الأخطاء السابقة، والقلق بسبب تفكيرنا الدائم في أدائنا القادم..
كيف يظهر التفكير الأسود والأبيض في حياتنا؟
يظهر التفكير الأسود والأبيض في تفاصيل يومية قد لا ننتبه لها، وخصوصًا في طريقة حديثنا مع أنفسنا أو تفسيرنا للمواقف البسيطة..
مع أنفسنا
- “إذا رجعت خطوة للخلف، فأنا فاشل ومو كفو”
- “ما راح أطلب المساعدة أبدًا، لأني مو ضعيف”
في العلاقات
- “فلان خالفني الرأي، هذا يعني إنه ضدي”
- العبارة المعروفة “لو مهتم كان عرفت”
في الإنجاز والعمل
- “كان فيه أفضل مني اليوم، أحس إني ما سويت شي!”
- “مديري اليوم علق على التقرير اللي كتبته، كنت أعرف إن شغلي عليه من الأول سيء”
المشكلة ليست في الحدث نفسه، بل في طريقة تفسيره.
لماذا يحدث التفكير الأسود والأبيض؟
لا يوجد سبب واحد خلف هذا النمط، بل غالبًا ما يكون نتيجة تداخل عدة عوامل، منها:
- الجمود المعرفي (Cognitive Rigidity)
وهو عكس المرونة المعرفية، ويعني صعوبة الانتقال من طريقة تفكير إلى أخرى.
عقولنا تتعلم من خلال القوالب، وترتاح في المناطق المألوفة؛ ولذلك حينما تظهر زاوية جديدة أو تفسير مختلف، نشعر بشيء من الارتباك ونقاوم التغيير، خصوصًا في البدايات.
وفي هذا النمط يكون القالب الذهني مبنيًا على منطق “إمّا أبيض أو أسود”، وبالتالي يصبح من الصعب رؤية أي لون آخر بينهما.
- الخوف من المجهول
ويندرج تحت مفهوم يُعرف بـ: عدم تحمّل الغموض (Intolerance of Uncertainty).
بعض الأشخاص يشعرون بضيق شديد لمجرد احتمال حدوث أمر سلبي، حتى لو كان احتمال حدوثه ضعيفًا؛ ولأن المنطقة الرمادية في هذا العامل مليئة بعدم اليقين والوضوح، يلجأ العقل إلى أحد الطرفين ليشعر بالأمان:
إمّا أن كل شيء بخير
أو أنّ كل شيء كارثي.
والتطرّف هنا يمنح الفرد وهم السيطرة، والذي يخفف بشكل مؤقت من حدة الخوف والقلق الناشئ من المجهول.
- البيئة والتنشئة
أي إذا نشأنا في بيئات تميل إلى الكمالية، أو النقد، أو المعايير المطلقة أو الأحكام المطلقة.. فقد نتبنى هذا النمط دون وعي ليصبح هذا الأسلوب هو اللغة الداخلية التي نفكّر بها.
أحيانًا لا نختار أن نرى الأمور بلونين، بل نعتاد ذلك لأننا لم نعرف أو نتعلم غيرهما.
كيف نتعامل مع التفكير الأسود والأبيض؟
هناك بعض الاستراتيجيات العملية التي يمكن أن تساعد في التعامل مع هذا النمط:
- لاحظ كلماتك
انتبه للكلمات التي تستخدمها عند تقييم نفسك أو الموقف؛ فالكلمات مثل: دائمًا، أبدًا، يجب، لازم، تمامًا، كارثي، مثالي…، قد تكون إشارات على أنك على مشارف الوقوع في فخ هذا النمط.
ومجرد ملاحظتك لذلك وتسميته بقولك: “أنا الآن أفكر بطريقة الأسود والأبيض”؛ فهذا يخلق مسافة بينك وبين الفكرة، ويمنحك فرصة للاستجابة بوعي بدل التفاعل التلقائي معها.
- أعد صياغة الفكرة
حاول أن ترى الموقف من زاوية أوسع.. كيف؟
لنفترض مثلًا أنك تلعثمت في تقديم عرض..
بدل قول: أنا فشلت تمامًا
جرّب: تلعثمت في البداية، لكن بقية العرض كنت جيدًا
وحتى لو أخطأت أكثر من مرة..
جرّب التفكير من زاوية مختلفة: حتى ولو لم يكن أدائي جيدًا، فقد كان المحتوى المقدّم جيدًا
الفكرة ليست في تلميع الواقع، بل في محاولة رؤيته بالكامل.. لا من زاوية واحدة فقط..
- أسأل قبل أن تُصدِق
الفكرة هنا في عدم قبولك لأي فكرة كحقيقة مطلقة قبل أن تمررها من خلال بعض الأسئلة، مثل:
- ما الأدلة التي تؤيد الفكرة؟
- ما الأدلة التي تعارض الفكرة؟
- ماذا سأقول لصديق يمر بنفس الموقف؟
هذه الأسئلة بمثابة الفلتر اللطيف الذي يساعد في إعادة النظر في أي فكرة..
- كن لطيفًا مع نفسك
مواجهة الأفكار لا يعني أبدًا محاربتها بشراسة، بل يعني ألّا تسمح لها أن تتحول إلى حكم نهائي..
- ركّز على الجوانب الإيجابية مهما كانت صغيرة في نظرك
- اكتب وبشكل يومي، 3 أشياء تشعر بالامتنان لحدوثها
- تحدث مع نفسك كما لو كنت تتحدث مع صديق مقرّب
من تجربتي الشخصية، كان إدراك هذا النمط في تفكيري هو أول خطوة حقيقية في رحلتي للتعامل معه..
ولأكن صادقة.. لم يكن الأمر سهلًا بل كان متعبًا جدًا (ذكرت قصتي هنا)..
عندما أتذكر بداية الرحلة، أجد أن من أكثر الأمور التي ساعدتني في البداية كان مجرد فتح المجال لوجود احتمال ثالث (وجود دون قبول)..
اليوم.. وبعد فترة طويلة من بدء هذه الرحلة أستطيع أن أقول أن هذا النمط (التفكير الأسود والأبيض) لم يختفِ.. لكن (وهو الأهم) لم يعد يقودني كما كان؛ لأني أصبحت أكثر وعيًا به، وأكثر قدرة على إدارته.. حتى وإن هزمني أحيانًا في أوقات الضغط والإرهاق.. فأنا أعلم بأني سأتدارك الأمر حتى وإن كان بشكل متأخر..
ومما تعلمته خلال هذه الرحلة:
- أن الاستراتيجيات وإن كانت حلول عملية فقد يناسبني فيها ما لا يناسب غيري، والعكس صحيح أيضًا
- وأن التعامل مع هذا التفكير يعتمد على أسبابه، ومرونتنا وانفتاحنا للتجربة وليس الاعتماد على استراتيجية واحدة جاهزة
أخيرًا..
أتمنى أن تمتلئ حياتكم وأرواحكم بالألوان.. لا أن تُختصر في لونين فقط..
هنا المصادر لمن أراد الاستزادة:
How to Overcome All-or-Nothing Thinking
Understanding and Overcoming All-or-Nothing Thinking
Cognitive Rigidity: The 8-Ball from Hell
What Is Intolerance Of Uncertainty?
All-Or-Nothing Thinking: Examples And How To Overcome
Cognitive Behavior Therapy, Second Edition: Basics and Beyond (Book)
حقوق الصورة البارزة: تصميم شخصي على كانفا